بقلم : محمد جمال الدين
تتجلى المسيرات الإنسانية الإستثنائية كلوحات فنية، لا تكتمل أبعادها إلا حين يتعانق الموهوب مع المعرفي، وحين يذوب الممثل في الفيلسوف، وفي حضرة الدكتورة نبيلة حسن، نحن لا نقف أمام مجرد سيرة مهنية، بل أمام ظاهرة ثقافية، استطاعت أن تعبر الجسر القلق، بين وهج الأضواء وصرامة البحث الأكاديمي، وصولاً إلى قمة الهرم التعليمي، بتبوئها رئاسة أكاديمية الفنون.
لم تكن بدايات الدكتورة نبيلة حسن محض صدفة، بل كانت إرتماءً مبكراً في أحضان الجمال، فقد انطلقت من مسرح الطفل، وبرامج الصغار في ثمانينيات القرن الماضي، وهو ما منحها بصمة وجدانية فريدة، فالطفل الذي يبدأ حياته بطلاً فوق خشبات المسرح المدرسي، لا يتعلم التمثيل فحسب، بل يتعلم كيف يواجه الوجود، كما عاصرت الدكتورة نبيلة جيل الرواد في برامج الأطفال، مما صهر وجدانها في بوتقة الفن، قبل أن تخوض غمار الدراما والسينما، في أعمال خالدة مثل النمر الأسود، ومحمد رسول الله، حيث كانت تمارس الفن كفعل حضور لا مجرد محاكاة.
كما عبرت الدكتورة نبيلة حسن مساراً علمياً، يتسم بالعمق الفلسفي والمنهجي، فلم تكتفي بالجانب الإبداعي الفطري، بل سعت لتقنينه معرفيًا، إذ تخرجت من المعهد العالي للفنون المسرحية، ثم خاضت غمار الدراسات العليا في الإخراج، حتى بلغت الذروة بنيلها درجة الدكتوراه، من جامعة مدريد بإسبانيا بتقدير إمتياز.
وقد كان اختيارها لتقنيات إخراج مسرح الطفل، إختياراً وجودياً، يعكس رغبتها في بناء الإنسان من الجذور، فدراستها في الخارج لم تكن مجرد تحصيل أكاديمي، بل كانت بمثابة مثاقفة، أتاحت لها إستيراد أدوات تحليلية عالمية، وتطويعها لخدمة المسرح المصري، مما جعلها تمتلك رؤية كونية للفن، تتجاوز الحدود الجغرافية.
تدرجت الدكتورة نبيلة حسن في مناصبها بكياسة، تزاوج بين الحزم الأكاديمي والمرونة الفنية، ومن خلال أدوارها السابقة كوكيلة للمعهد العالي للفنون المسرحية، وإشرافها على المركز القومي لثقافة الطفل، بلورت فلسفة إدارية تنتهجها الدكتورة نبيلة في كل منصب تبوأته، حتى وصلت لمنصب رئيس أكاديمية الفنون، وهي فلسفة تقوم على عصرنة المناهج، من خلال ربط القواعد الكلاسيكية للمسرح بالتقنيات الحديثة وسوق العمل، كما اهتمت بالتنمية البشرية الفنية، إذ أن الإيمان لديها بأن الأكاديمية لا تُخرج موظفين، بل مبدعين يحملون مشاعل التنوير، وهو ما ظهر بوضوح مع توليها رئاسة أكاديمية الفنون، إذ دخلت هذه المؤسسة العريقة طوراً جديداً من الإستنارة المؤسسية، فالدكتورة نبيلة حسن لا تدير الأكاديمية بعقلية إدارية بحتة، بل تقودها برؤية المايسترو، الذي يسعى لتحقيق هارموني بين مختلف المعاهد، وهو ما يتضح في خطتها للنهوض بالأكاديمية، والتي ترتكز على محاور جوهرية، لعل من أهمها الإرتقاء بالعملية التعليمية، من خلال دمج الوسائط التكنولوجية المعاصرة في صلب الدروس العملية والنظرية، مع الدفع بالبحث العلمي، وتحويل الأكاديمية إلى مركز ثقل دولي للبحوث الفنية والإنسانية، إضافة إلى الإنفتاح الثقافي، من خلال تعزيز البروتوكولات الدولية، مع كبرى الجامعات الفنية العالمية، مستفيدة من علاقاتها الأكاديمية الواسعة.
وتتسم الدكتورة نبيلة حسن بصفات تجعلها نموذجاً ملهماً، فهي تمتلك ثباتاً إنفعالياً مذهلاً في إدارة الأزمات، وبلاغة لسان تعكس ثقافة موسوعية، فضلاً عن تواضع العلماء، الذي يفتح جسور التواصل المباشر مع الطلاب والأساتذة على حد سواء، فهي لكل من يعرفها شخصية تجمع بين رقة الفنان الذي يدرك قيمة الكلمة والحركة، وبين صرامة الباحث الذي لا يقبل إلا بالدقة والموضوعية.
إن مسيرة الدكتورة نبيلة حسن، من طفلة موهوبة تخطو خطواتها الأولى في استوديوهات التلفزيون، إلى سيدة تجلس على قمة الهرم الأكاديمي، هي تجسيد حي لمفهوم الإخلاص للموهبة، وهي الآن تقود دفة السفينة نحو آفاق أرحب، حيث لا ينفصل الفن عن العلم، ولا تنفصل الأكاديمية عن نبض الشارع، لتظل أكاديمية الفنون في عهدها، منارة تشع بالإبداع والوعي والجمال.
