بقلم : د. محمد جمال الدين
لا يمثل مسرح الطفل في الوعي الأكاديمي المعاصر والمنظور النقدي الحديث مجرد وسيط تربوي مبسط، أو محض أداة ترفيهية لتبديد الوقت، بل هو في جوهره فعل أنطولوجي كينوني يهدف بالدرجة الأولى إلى ترميم التصدعات الوجودية، التي أحدثتها الحداثة في الروح البشرية الصافية، وفي عرض لعب ولعب، نجد أنفسنا أمام سيمفونية درامية بالغة الثراء، تتجاوز الخطاب الوعظي المباشر “الديالكتيكي البسيط”، لتستقر في منطقة الوعي الجمالي الفارق .
إننا بصدد مختبر فني مختزل، يسعى إلى تحرير الطفل الكامن داخل التكوين البشري العام، عبر صياغة رؤية بصرية وفلسفية تعيد تعريف علاقة الذات بالوجود، وعلاقة الفرد بالجماعة في ظل عالم تكنولوجي موحش، يسعى لتنميط الوعي وتشييئ الإرادة الإنسانية وتحويلها إلى مجرد أرقام في معادلة الإستهلاك الرقمي.
يتجلى الدور المحوري للأستاذ الدكتور حسام عطا في هذا العرض ليس بوصفه مخرجاً ومؤلفاً فحسب، بل كأكاديمي لامع وقامة نقدية شامخة، تدرك تمام الإدراك أن مسرح الطفل هو أخطر أنواع الفنون وأكثرها قداسة، لكونه يشكل الوعي في مرحلة التكوين الأولى، والدكتور حسام عطا يحمل في جعبته تاريخاً طويلاً وممتداً من البحث الأكاديمي الرصين في جماليات الفنون، كما أنه يحمل تاريخ راسخ في مجال مسرح الطفل، فأعماله للطفل يمكن أن يطلق عليها الأعمال الخالدة في تاريخ مسرح الطفل المصري المعاصر.
وفي عرضه هذا يمارس عطا هنا ما يمكن تسميته “الإخراج بالتنظير”، إذ يتضح بجلاء من متابعة عرض لعب ولعب ثلاثية الوعي لدي الدكتور حسام عطا، فهو المؤلف المُنظر، حيث استطاع عطا أن ينسج نصاً يتسم بالكثافة الرمزية العالية، حيث لم يكن الحوار مجرد وسيلة تقنية لنقل الحدث أو الدفع بالحبكة، بل هو بنية فلسفية عميقة تُحرض المتلقي (طفلاً كان أم كبيراً)، على ممارسة فعل التساؤل والإشتباك مع الواقع، وهو المخرج الرؤيوي، إذ تجلى دوره في تطويع الفراغ المسرحي لخدمة الفكرة المجردة، محولاً الخشبة من مجرد حيز مادي إلى مجال حيوي يفيض بالدلالات، فلقد مارس عطا هنا كسراً للواقع، وتطويعاً له لصالح الفانتازيا الواعية، مؤكداً أن تاريخ مسرح الطفل هو في جوهره صراع أزلي بين سلطة التلقين وإرادة التحرير، وهو كذلك الناقد الأكاديمي، فبصمات عطا النقدية جعلت من العرض وحدة عضوية متكاملة، حيث تم إستنطاق كل مفردة عرض، وتوجيهها نحو هدف سوسيولوجي وجمالي محدد، مما جعل منه “مهندس وعي” لا مجرد صانع فرجة عابرة.
يتشكل عرض لعب ولعب من وحدات دلالية صغرى، تترابط لتخلق النظام الكلي للعمل، حيث يمكن تفكيك البنية في هذا العرض إلى مستويات وهي، ثنائية (الإنغلاق السكوني / الإنفتاح الديناميكي)، إذ تنهض البنية الدرامية على تضاد مركزي بين فضاءين وفلسفتين، هما عالم “غريب”، الذي يمثل الخط الدرامي في حالة “السكونية”، والقطيعة التامة مع التراث والجماعة، وهو تجسيد حي للإغتراب النفسي والوجودي، حيث العزلة التي تفرضها التكنولوجيا وتشييئ العلاقات البشرية، ومن جهة أخرى عالم “الأطفال والشارع”، وهو ما يمثل نسق حالة “الديناميكية” والإستمرارية، إذ أن الشارع هنا ليس حيزاً جغرافياً، بل هو الحاضنة الأنطولوجية الأولى للإجتماع البشري، حيث اللعب هو اللغة الوجودية المشتركة التي تُعيد ربط الإنسان بجذوره الأولى.
إن سيرورة التحول الدرامي، من الإستلاب إلى التشارك، تظهر في العرض بجلاء، إذ ينتقل الفعل الدرامي في رؤية حسام عطا من حالة الإستلاب المتمثلة في سرقة الألعاب ومصادرة حق الفرح، إلى حالة التشاركية أي اللعب الجماعي، وهذا التحول ليس مجرد نهاية تقليدية، بل هو إعادة بناء للبنية الإجتماعية المنهارة، حيث يتم إحتواء العنصر المغترب (غريب)، وتذويبه في النسق الجماعي الخير، عبر فعل التسامح والإحتواء الجمالي.
تظهر في عرض لعب ولعب جماليات العملية الإخراجية، إذ استخدم الدكتور حسام عطا مفردات إخراجية غنية بالرموز، محولاً الخشبة إلى فضاء سيميائي (علاماتي) بإمتياز، يستنطق الحجر والبشر على حد سواء، كما تظهر في العرض ملامح جروتوفسكي، فلسفة إخراجية تجمع بين المسرح الفقير والغني بالروح، فعند تحليل الأداء الحركي، نلمس بوضوح ظلال منهج جيرزي جروتوفسكي، وتحديداً في نقطتين، هما الممثل كذات فاعلة، إذ أن الممثلون في هذا العرض تجاوزوا دور المؤدي النمطي إلى دور اللاعب الأنطولوجي، فلقد نجح المخرج في إستنطاق طاقات الممثلين الكبار (جيهان قمري، ليلى عز العرب، منير مكرم، أحمد صادق، وبقية الفريق)، ليقدموا أداءً يرتكز على الصدق العضوي، حيث الجسد هو الوسيط الإبداعي الأول بعيداً عن زيف التصنع، كما قامت الرؤية الإخراجية على إسقاط الجدار الرابع، وهو ما نادى به جروتوفسكي بإلغاء المسافة الفيزيقية والنفسية بين المؤدي والمتفرج، فقد تحولت صالة مسرح متروبول إلى ساحة لعب كبرى، حيث يذوب التمييز بين الفاعل والمتلقي، ليصبح الجميع شركاء في إنتاج المعنى المسرحي اللحظي، وهو أحد أهم ما يميز منهج حسام عطا الإخراجي، فهو أحد أهم أصحاب منهج المسرح التفاعلي في عروض الطفل.
يتميز التشكيل السينوغرافي، والدلالة الوظيفية في عرض لعب ولعب، بالعلامات البصرية، فالديكور للمهندس المرحوم (ناصر عبد الحافظ)، وكذلك والملابس والماسكات والعرائس لم تكن محض زينة خارجية، بل كانت علامات سيميائية عميقة الدلالة، فالقناع في رؤية عطا لا يخفي الوجه بقدر ما يكشف عن النمط الإنساني الجوهري، والعروسة تعمل كوسيط جمالي يخترق حدود الواقعية الصلبة، ليدخل بالطفل إلى رحاب الخيال المطلق، كذلك الموسيقى والألحان في اللعب جاءت بمثابة كإيقاع كوني، فلم تكن ألحان صلاح مصطفى وأشعار أحمد زيدان خلفية صوتية، بل كانت نبضاً درامياً، وبنية إيقاعية، وفاعل درامي عميق غني، لضبط نفس العرض الكلي، محفزة الذاكرة الجمعية عبر إستحضار التراث الشعبي، وإعادة صياغته بروح عصرية لاهثة.
طرح العرض جملة من الدلالات التي تشتبك مع الراهن والمستقبل، فالشارع كفضاء ديمقراطي يُعلي العرض من شأن الشارع بوصفه الفضاء الإجتماعي، الذي يتعلم فيه الإنسان قيم التفاوض، والتسامح، والعمل المشترك، بعيداً عن عزلة الشاشات الباردة، كما يبرز في ثنايا الرؤية الإخراجية نقد “التشييء” التقني، إذ تبرز دلالة تحذيرية من مغبة تحول الإنسان إلى شيء فاقد للإرادة تحت سطوة التكنولوجيا، داعياً إلى إستعادة حرارة اللقاء الإنساني المباشر، كما يؤكد عطا في رؤيته الإبداعية على مثلث القيم المطلقة (الحق – الخير – الجمال)، وهذا المثلث هو القانون الحاكم لرؤية حسام عطا الإبداعية، حيث يتم الإنتصار لهذه القيم عبر فعل اللعب الذي هو في جوهره أسمى تجليات الحرية الإنسانية.
وعليه فإن تجربة عرض لعب ولعب، بتوقيع ورؤية الأستاذ الدكتور حسام عطا، تتجاوز كونها مجرد مسرحية للأطفال، لتصبح بياناً فنياً يؤكد أن مسرح الطفل هو القاطرة الحقيقية لتغيير بنية الوعي المجتمعي، فلقد نجح المخرج الناقدالمؤلف في صياغة معادلة إبداعية نادرة، تجمع بين أناقة الشكل السينوغرافي، وعمق المضمون الفلسفي، ليغادر المتلقي العرض وهو محمل بيقين جديد، أن الماضي ليس عبئاً بل هو جذور الوعي، وأن الحاضر هو مساحة الفعل، والمستقبل هو ذلك اللعب المستمر، الذي لا يعرف الركود، لذا فإن عرض لعب ولعب “مرآة مصقولة” تعكس جوهرنا الإنساني، لتؤكد أن الفن الصادق هو المسار الوحيد المتبقي لإستعادة قداسة الحياة، في مواجهة عالم مادي متسارع، إنه صرخة جمالية في وجه القبح، وتأكيد على أن الليل يعقبه نهار، وأن البقاء دائماً هو لإيقاع الخير والعدل والجمال.
