بقلم : د . محمد جمال الدين
يخلط الكثير بين ثنائية دوسوسير وثلاثة بيرس، خاصة في مجال الدراسات الأدبية والنقدية، ويُعد تناول ديالكتيك العلامة بين ثنائية (دوسوسير) وثلاثية (بيرس)، من الأهمية بمكان، لإيضاح الفروق الجوهرية بينهما ومنع الخلط الذى نراه فى كثير من الدراسات البحثية الأدبية والنقدية، إذ يحصر (دوسوسير) هذا العلم في دراسة العلامات ذات البعد الاجتماعي، ويعني هذا أن السيميولوجيا تبحث في حياة العلامات داخل الحياة الاجتماعية، لذا ويهذا المعنى فإن لها وظيفة اجتماعية، ولها أيضاً علاقة وطيدة بعلم النفس الاجتماعي، وفي هذا الصدد يقول (دوسوسير) : “اللغة نظام علامات يعبر عن أفكار، ولذا يمكن مقارنتها بالكتابة، بأبجدية الصم والبكم، بأشكال اللياقة، بالإشارات العسكرية، وبالطقوس الرمزية، إلخ.. على أن اللغة هي أهم هذه النظم على الإطلاق، وصار بإمكاننا بالتالي أن نؤسس علماً يعنى بدراسة حياة العلامات داخل المجتمع، وسيشكل هذا العلم جزءا من علم النفس العام وهو علم السيميولوجيا.
ويعتبر (سوسير) أن العلامة تتكون من وجهين لا يمكن فصل أحدهما عن الأخر الأول هو الدال وهو عند (سوسير) حقيقة نفسية أو صورة سمعية، تحدثها في ذهن المستمع سلسلة الأصوات التي تلتقطها أذنه، وتستدعي إلي ذهن هذا المستمع صورة ذهنية أو مفهوم المدلول، ولذلك يمكن أن نستنتج من هذا التعريف أن العلامة عند (سوسير) هو نتاج عملية نفسية، غير أن الإستخدام الشائع لمصطلح (سوسير) يعرف الدال علي أنه سلسلة الأصوات نفسها، لا الصورة الصوتية التي يحدثها في ذهن المتلقي، وعلي هذا يصبح الدال في هذا السياق الجديد حقيقة مادية لا نفسية، أما المدلول فهو الصورة الذهنية التي تستدعيها سلسلة الأصوات هذه في ذهن المتلقي، وتنشأ دلالة العلامة من عملية الربط بين الدال والمدلول .
بينما يري الأمريكي (شارل سندرس بيرس) أن السيموطيقا هي نتاج سياق فلسفي ارتبط بالرياضيات والمنطق، إذ أن موضوع العلامة عنده كان متشعباً ومتفرعاً، إلى الحد الذي تعثر فيه الإحاطة بكل جزئياته، فمفهوم العلامة لديه هو عبارة عن شيء ما يعوض شيئاً معين بالنسبة لشخص معين، وفق علاقة معينة أو صفة معينة، أي إنه يخلق في ذهن هذا الشخص دليلاً معادلاً.
إن التعقيد الذي أظهره (بيرس) في تصنيفه للعلامة بحسب فروعها بالنسبة إلى الحيثيات الثلاث: الدال والمدلول والمشار إليه، وكل فرع من هذه الفروع له تصنيفاته الخاصة وخصائصه المميزة، قد دفع الكثير من اللغويين والنقاد إلى العزوف عن الخوض في غمار كل هذه التفاصيل الجزئية، التي قد لا تخدم كثيراً النص اللغوي والأدبي، مكتفين في ذلك بالجوانب التي من شأنها أن تقدم دعماً حقيقياً للمنهج السيميولوجي في دراسته اللغوية والنقدية .
ومن هنا، فإن (دوسوسير) يرى أن العلامات السيميولوجية لا تؤدي إلا وظيفة اجتماعية، بينما (بيرس) يرى أن وظيفة السيميوطيقا منطقية وفلسفية ليس إلا، وهكذا أصبحنا أمام مصطلحين: السيميولوجيا لدى الأوروبيين، وذلك بفضل (دوسوسير) الذي استعمل مصطلح السيميولوجيا في كتابه (محاضرات في اللسانيات العامة) سنة 1916م، ومصطلح السيميوطيقا لدى الأمريكيين، وذلك لكون (بيرس) استعمله باسم علم الدلالة العام، ويعتبر (رولان بارت) من المدافعين عن مصطلح السيميولوجيا، وخاصة في كتابة (عناصر السيميولوجيا)، والذي اعتبر فيه السيميولوجيا جزءاً من اللسانيات، وذلك بواسطة رصده لبعض الثنائيات المنهجية، مثل: الدال والمدلول، وفي هذا الصدد، يقول (رولان بارت) “يجب منذ الآن تقبل إمكانية قلب الإقتراح السوسيري، فليست اللسانيات جزءاً ولو مفصلاً من السيميولوجيا، ولكن الجزء هو السيميولوجيا، باعتبارها فرعاً من اللسانيات، إذ إن المعرفة السيميائية لا يمكن أن تكون اليوم سوى نسخة من المعرفة اللسانية، لأن هذه المعرفة يجب أن تطبق، على الأقل كمشروع، على أشياء غير لسانية”.
وعليه يمكن التفرقة بين معطيات (دي سوسير) ومعطيات (بيرس)، إذ أن سيميولوجية (سوسير) لغوية لسانية أما سيميولوجية (بيرس) منطقية فلسفية، والعلامة عند (سوسير) ثنائية المبني أما عند (بيرس) ثلاثية المبني، كذلك العلامة عند (سوسير) لغوية تمتاز بكونها إعتباطية، أى أنها العلامة العرفية أو الإصطلاحية بين العلامة وما تشير إليه، أما عند (بيرس) فهى لغوية وغير لغوية، تتحدد العلامة عند (سوسير) بعلاقة الدال والمدلول ولا تحتوي العلامة علي الرمز، أما عند (بيرس) فهي تتحدد من خلال علاقة المصورة بالموضوع وبذلك يكون الرمز جزء منها، كما أن علاقة (سوسير) هي أساس السيميولوجيا وجزء من علم النفس، أما عند (بيرس) فهي أساس السيميوطيقا وجزء من علم المنطق، وأخيراً تشكل اللسانيات جزء من سيميائية (سوسير) لان اللغة فعل سيميائي، أما عند (بيرس) فالمقولات الفلسفية عن الوجود والعالم صورة التحليل السيميائي .
