بقلم: الإعلامي خالد سالم
في كل صباح، تستيقظ الأسرة المصرية على هاجس واحد يلاحقها كالظل: الدروس الخصوصية. هذا الغول الذي تسلل إلى بيوتنا دون استئذان، وأصبح ضيفاً ثقيلاً لا يغادر، بل يزداد شراهة عاماً بعد عام، يلتهم من جيوب الأسر ما تدخره بالكاد، ومن ميزانية الدولة ما كان يُفترض أن يُنفق على تطوير التعليم الحقيقي.
لم تعد الدروس الخصوصية خياراً أو رفاهية كما كانت في الماضي، بل تحولت إلى ضرورة قاسية تفرض نفسها على الجميع. الطالب المتفوق يلجأ إليها خوفاً من المنافسة، والطالب المتعثر يلجأ إليها بحثاً عن النجاة، والنتيجة واحدة: استنزاف مالي ونفسي لا يرحم أحداً.
الاستنزاف المالي للأسرة
تشير الإحصاءات إلى أن الأسرة المتوسطة تنفق ما يقارب ثلث دخلها الشهري على الدروس الخصوصية، وأحياناً أكثر من ذلك. الأب يعمل في وظيفتين، والأم تضحي بأحلامها وطموحاتها لتوفير ما يكفي لتعليم أبنائها، لا في المدرسة، بل في السناتر والدروس الخاصة. البيوت تتخلى عن احتياجاتها الأساسية، العلاج يؤجل، الملابس تُرقع، والترفيه يصبح حلماً بعيد المنال، كل ذلك من أجل أن يحصل الابن على “حصة” عند مدرس يعلم في نفس المدرسة التي يُفترض أنها مكان التعليم الأول.
المفارقة المؤلمة أن هذا الاستنزاف لا يتوقف عند حد معين، بل يتصاعد مع كل مرحلة دراسية. من الابتدائية إلى الإعدادية، ثم الثانوية حيث يصل الأمر إلى ذروته المرعبة. بعض الأسر تضطر للاقتراض أو بيع ممتلكات ثمينة فقط لتأمين مصاريف الدروس الخصوصية للعام الدراسي.
الخسارة على مستوى الدولة
ما يُنفق على الدروس الخصوصية سنوياً يُقدر بمليارات الجنيهات، أموال تخرج من الاقتصاد الرسمي وتدخل في دائرة غير منظمة، لا تخضع للضرائب ولا تُحسب في الناتج القومي. هذه الأموال لو أُنفقت في تطوير المدارس الحكومية، في تحسين رواتب المعلمين، في توفير وسائل تعليمية حديثة، لكانت النتيجة منظومة تعليمية حقيقية تُنافس وتُبدع.
لكن ما يحدث هو العكس تماماً: المدارس تتحول إلى مجرد واجهات شكلية، والمعلم الذي يُفترض أنه عماد العملية التعليمية يتحول في كثير من الأحيان إلى تاجر يبيع المعلومة التي كان يجب أن يمنحها مجاناً في الفصل. النتيجة: انهيار تدريجي للمنظومة التعليمية الرسمية، وفقدان الثقة الكامل فيها.
الأثر النفسي والمعنوي على الطلاب
الطالب اليوم يعيش تحت ضغط نفسي هائل. يومه الدراسي لا ينتهي بانتهاء اليوم المدرسي، بل يمتد إلى ساعات متأخرة من الليل بين السنتر والدرس الخاص والواجبات المنزلية. الطفولة تُسرق، واللعب يصبح ذكرى، والمراهقة تتحول إلى ماراثون مرهق من الحفظ والتلقين.
الضغط لا يأتي فقط من كم الدروس والمواد، بل من الشعور بالذنب والعجز. الطالب يرى والديه يكدحان ويتعبان من أجله، فيشعر بثقل المسؤولية على كتفيه الصغيرة. القلق من الفشل يتحول إلى رعب، لأن الفشل لا يعني فقط الرسوب في مادة، بل يعني خسارة مالية كبيرة للأسرة وشعوراً بالتقصير تجاه تضحيات الوالدين.
هذا الضغط المستمر يؤدي إلى مشاكل نفسية حقيقية: الاكتئاب، القلق المرضي، اضطرابات النوم، فقدان الثقة بالنفس، وأحياناً رفض التعليم كلياً. كم من طالب موهوب فقد شغفه بالتعلم بسبب هذه الآلة الطاحنة؟ كم من حلم دُفن تحت ركام الدروس الخصوصية والامتحانات؟
الأثر العلمي والتربوي
الدروس الخصوصية لا تبني عالِماً ولا تصنع مبدعاً. هي في جوهرها عملية ميكانيكية للحفظ والاستظهار من أجل اجتياز امتحان، ثم النسيان. الطالب لا يتعلم كيف يفكر، كيف يحلل، كيف يبتكر، بل يتعلم كيف يحفظ الإجابة النموذجية وكيف يكتبها في ورقة الامتحان.
المهارات الحقيقية التي يحتاجها الطالب في حياته العملية والعلمية تُهمل تماماً: التفكير النقدي، حل المشكلات، الإبداع، البحث، التعلم الذاتي، العمل الجماعي. كل هذه المهارات لا مكان لها في منظومة الدروس الخصوصية التي تهتم فقط بالدرجات والمجاميع.
الأخطر من ذلك أن هذه المنظومة تقتل حب الاستطلاع والشغف بالمعرفة. العلم يتحول من متعة وفضول إلى عبء وواجب. الطالب لا يقرأ لأنه يريد أن يعرف، بل لأنه مجبر على ذلك. والنتيجة: أجيال تكره القراءة، تكره البحث، تكره التعلم ذاته.
نحو الحل
الخروج من دائرة هذا الغول يتطلب إرادة حقيقية على مستوى الدولة والمجتمع. يجب إعادة الثقة في المدرسة الحكومية من خلال تطوير حقيقي للمناهج والبنية التحتية. المعلم يجب أن يحصل على راتب كريم يغنيه عن التجارة بالعلم. الامتحانات يجب أن تقيس الفهم والمهارة لا الحفظ والتلقين. الطالب يجب أن يُعامل كإنسان له طاقة محدودة وحق في طفولة طبيعية، لا كآلة للحفظ والاستظهار.
المسؤولية لا تقع على الدولة وحدها. الأسر أيضاً يجب أن تعيد التفكير في أولوياتها وأن تثق في قدرات أبنائها دون الضغط المبالغ فيه. المعلمون أيضاً عليهم مسؤولية أخلاقية ومهنية تجاه رسالتهم النبيلة.
غول الدروس الخصوصية لن يختفي بين ليلة وضحاها، لكن الاعتراف بوجوده وبخطورته هو أول خطوة نحو مواجهته. لأن استمراره يعني استمرار نزيف الأسر، وانهيار المنظومة التعليمية، وضياع أجيال كاملة كان يمكن أن تكون أملاً لهذا الوطن.
خالد سالم
