بقلم الإعلامي: خالد سالم
لم يعد مبنى ماسبيرو مجرد صرح حجري على ضفاف النيل، أو مؤسسة حكومية تنتظر دورها في طابور البيروقراطية. ماسبيرو، الذي كان يومًا قلب الإعلام العربي النابض، وصوت مصر إلى العالم، يحتاج الآن إلى من يعيد إليه الحياة والروح والدور الريادي الذي طالما تميز به.
ومع تولي الكاتب الصحفي أحمد المسلماني مسؤولية إدارة وتطوير مبنى ماسبيرو، فإن الأمل يتجدد في أن يكون هذا التكليف بداية فعلية لمرحلة جديدة من الإصلاح والتجديد. فالمطلوب ليس شعارات رنانة، بل قرارات جريئة تضخ دماءً جديدة في شرايين هذا الكيان الكبير، وتمنحه القدرة على المنافسة والعودة إلى موقعه الطبيعي كمنبر للإبداع والتنوير.
في ستينيات القرن الماضي، لم يقتصر دور ماسبيرو على النشرات الإخبارية أو البرامج الترفيهية، بل تجاوز ذلك ليكون منبرًا ثقافيًا بامتياز، تجلّى في “مسرح التليفزيون”، الذي قدّم نجومًا أصبحوا رموزًا في عالم الفن والمسرح في مصر والوطن العربي، وكان مدرسة للمواهب الشابة ومصدرًا للوعي الجماهيري.
اليوم، نشاهد كيف استطاع الفنان أشرف عبد الباقي عبر تجربة “مسرح مصر”، رغم محدودية الإنتاج، أن يُعيد الجمهور إلى خشبة المسرح، ويقدم وجوهًا جديدة أصبحت لاحقًا من نجوم الدراما والسينما. وكذلك لا يمكن تجاهل تجربة الكاتب الصحفي جمعة قابيل في “مسرح الناس”، الذي قدّم المسرح بشكل بسيط إلى الناس، وناقش القضايا الاجتماعية بوعي واحتراف.
هذه التجارب تؤكد أن المسرح ليس حنينًا إلى الماضي، بل مشروع مستقبل ينتظر من يؤمن به ويستثمر فيه. وماسبيرو يملك كل أدوات النجاح: قطاع الإنتاج، الذي لا يزال يملك البنية التحتية والإمكانات، مسرح كبير داخل المبنى، وشركة صوت القاهرة العريقة، فضلًا عن الآلاف من الكوادر والمواهب الشابة القادرة على الإبداع إذا أُتيحت لها الفرصة.
ماسبيرو ليس مكانًا للتكريمات والصور التذكارية فقط. ماسبيرو رسالة وطنية، وإعلام حي يجب أن يُسمع ويُرى، عبر إنتاج درامي وفني وثقافي مؤثر.
وفي هذا السياق، أدعو إلى تبني مشروع قومي لإحياء المسرح والإنتاج الدرامي، بالتعاون مع وزارتي الثقافة والشباب. فقد كانت لي تجربة في تحكيم مسابقة مسرحية لمراكز الشباب، أشرفت عليها المهندسة منتهال شاكر، إحدى كوادر ماسبيرو، ووجدت فيها طاقات شبابية متميزة تنتظر الفرصة لتلمع وتُبدع.
آن الأوان لأن يستعيد ماسبيرو ريادته، ويعود إلى كل بيت مصري كما كان، منارة إعلامية وفنية حقيقية تستحقها مصر.
