اختُتمت يوم الجمعة فعاليات الدورة الثالثة من الملتقى الوطني للنزعة الخطية، الذي احتضنه “بيت الذاكرة”، بمداخلة متميزة للفنان والكاتب المغربي عفيف بناني، مؤسس هذا التوجه الفني، والذي قدّم خلالها قراءة نقدية معمقة لمسار الفن البصري المعاصر، داعيًا إلى استعادة التوازن بين حرية الإبداع وصرامة البناء الأكاديمي، في زمن طغت فيه الصور الفارغة من المعنى.
وأكد بناني في كلمته أن الفن لا يمكن أن ينفصل عن البناء، وأن الحداثة الحقيقية لا تقوم دون عمق فلسفي ورؤية جمالية واعية. وانتقد بشدة ما سماه بـ”فوضى الفن”، والتي اعتبرها نتاج استسهال التعبير الفني تحت شعار المعاصرة، محذرًا من الانبهار المفرط بالتقنيات الحديثة على حساب الجوهر الفني.
وأوضح أن “النزعة الخطية” ليست مجرد أسلوب تقني أو موقف جمالي عابر، بل ثمرة مسار تأملي وفلسفي طويل، انطلق من تأمل العلاقة بين الخط والفراغ، ومن فهم عميق لبنية العمل الفني. وأضاف أن هذا التوجه لا ينفصل عن القيم الأكاديمية، بل يسعى إلى إحيائها، ليس من باب التقليد، بل كرافعة للارتقاء بالذوق العام وإعادة الاعتبار للمعنى.
وأشار بناني إلى أن مشروع “النزعة الخطية” أخذ منذ بدايته طابعًا جماعيًا، حيث اختار أن يفتح المجال أمام فنانين وفنانات يتقاسمون الرؤية ذاتها، مؤمنين بأن الخط ليس مجرد عنصر بصري، بل لغة جمالية وفكرية قادرة على تجاوز السطح وإعادة ربط الفن بسياقه الفلسفي. وقد بلغ عدد الفنانين المشاركين في المشروع حاليًا 32 فنانًا وفنانة.
وتوقف المتحدث عند محطات مفصلية في تاريخ الفن، مستحضرًا تجربة الانطباعيين الذين قاوموا هيمنة التصوير الفوتوغرافي، ومسيرة فنانين كبار دافعوا عن جوهر الفن ضد النزعة السطحية، مؤكدًا أن كل ثورة فنية حقيقية انطلقت من رؤية راسخة وعمل منظم، لا من فوضى عابرة.

وختم بناني مداخلته بدعوة مفتوحة إلى الفنانين الشباب للعودة إلى الجذور، والتعامل مع الحداثة كمسؤولية فكرية وجمالية، لا كوسيلة للهروب من المعايير، قائلاً: “كفى من فوضى الفن… لا حداثة بلا معنى”.
