في مقال تحليلي ثري، يؤكد الناقد الفني الدكتور محمد عبد الله على أهمية ودور الموسيقى التصويرية في العمل الدرامي والسينمائي، معتبرًا إياها العنصر الصادق الذي لا يكذب، والذي يكشف عن النوايا الحقيقية خلف الصورة والمشهد. ويشير عبد الله إلى أن العين قد تخدع المشاهد أحيانًا، فبعض الصور تحمل أكثر من تفسير أو توحي بانطباعات متناقضة، لكن الموسيقى تأتي لتمنح الإحساس الصحيح وتدلّنا على الحقيقة الخفية التي يريدها المخرج.
ويضرب عبد الله أمثلة حيّة من مشاهد قد تبدو للوهلة الأولى عادية أو محايدة، كأن ترى شخصًا يسير في الشارع، لكن مع موسيقى مظلمة تدرك على الفور أن هناك خطرًا قادمًا. أو مشهد وداع بسيط، يتحول إلى لحظة حزينة مؤثرة عندما ترافقه موسيقى حزينة تُشعرك بأنه وداع أبدي. وفي مفارقات مدهشة، يشير إلى أن موسيقى حزينة قد تجعل مشهدًا كوميديًا يُبكيك، بينما قد تُثير الابتسامة في مشهد حزين إذا رافقته موسيقى مرحة.
ويصف عبد الله استخدام الموسيقى كأداة ذكية في يد المخرج المتمكن، الذي يترك للصورة مساحة الحياد أو حتى التضليل، ثم يتدخل عبر الموسيقى ليزرع الشعور الصحيح في قلب المتلقي. وهنا يكمن الفارق بين مخرج يروي القصة فقط بالصورة، وآخر يستخدم الموسيقى كصوتٍ موازٍ للصورة بل أحيانًا أعمق منها.
ويؤكد عبد الله أن غياب الموسيقى التصويرية عن الفيلم يفقده روحه، وكأننا نشاهد أجسادًا تتحرك بلا مشاعر. ويستشهد في حديثه بكبار المخرجين المصريين مثل يوسف شاهين، وصلاح أبو سيف، وعلي بدرخان، وحسين كمال، ومروان حامد، الذين لم يتعاملوا مع الموسيقى التصويرية كخلفية صوتية، بل اعتبروها ركيزة سردية لا تقل أهمية عن الكاميرا أو الحوار.
ويختتم الدكتور محمد عبد الله مقاله بالتأكيد على أن الموسيقى التصويرية لا تخدع، بل تصوغ الحقيقة الفنية بصوتٍ خفي، وهي التي تمنح المشاهد إحساسًا صادقًا، يجعل الصورة أكثر عمقًا والحدث أكثر تأثيرًا، لتبقى الموسيقى هي اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة.
